السيد نعمة الله الجزائري

93

عقود المرجان في تفسير القرآن

للمهاجرين من دياركم وأموالكم وتشاركونهم في الغنيمة . وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة . فقال الأنصار : بل نقسم لهم أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها . فنزل : « وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ » - الآية . وقيل : نزلت في سبعة عطشوا يوم أحد فجيء بماء يكفي لأحدهم ، فقال واحد منهم : ناول فلانا ، حتّى طيف على سبعتهم وماتوا ولم يشرب أحد منهم . فأثنى اللّه سبحانه عليهم . وقيل : نزلت في رجل جاء إلى النبيّ وقال : أطعمني ؛ فإنّي جائع . فبعث إلى أهله فلم يكن عندهم شيء فقال : من يضيفه هذه اللّيلة ؟ فأضافه رجل من الأنصار وأتى به منزله ولم يكن [ عنده ] إلّا قوت صبية له ، فأتوا بذلك إليه . وأطفؤوا السراج وقامت المرأة إلى الصبية فعلّلتهم حتّى ناموا . وجعلا يمضغان ألسنتهما لضيف رسول اللّه فظنّ الضيف أنّهما يأكلان معه ، حتّى شبع الضيف وباتا طاويين . فلمّا أصبحا ، غدوا إلى رسول اللّه فنظر إليهما وتبسّم وتلا هذه الآية . وقوله : « يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ » ؛ أي : يؤثرون المهاجرين ويقدّمونهم على أنفسهم ولو كان بهم فقر وحاجة . « وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ » ؛ أي : يدفع عنه ويمنع عنه بخل نفسه ، فأولئك هم الفائزون بثواب اللّه . « 1 » « تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ » ؛ أي : جعلوا الإيمان مستقرّا ومتوطّنا لهم لتمكّنهم منه واستقامتهم عليه ، كما جعلوا المدينة كذلك . أو أراد : دار الهجرة ودار الإيمان . فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف إليه وحذف المضاف من دار الإيمان ووضع المضاف إليه مقامه . « 2 » عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قوله : « وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ » قال : بينا عليّ عند فاطمة عليها السّلام إذ قالت له : يا عليّ ، اذهب إلى أبي فابغنا منه شيئا . فقال : نعم . فأتاه فأعطاه دينارا وقال له : ابتع لأهلك طعاما . فخرج من عنده . فلقيه المقداد وذكر له حاجته . فأعطاه الدينار وانطلق إلى المسجد فنام . فجاءه النبيّ وحرّكه . فقعد . فقال : يا عليّ ، ما

--> ( 1 ) - مجمع البيان 9 / 392 - 393 و 390 - 391 . ( 2 ) - الكشّاف 4 / 504 .